الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
20
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهي مراتب نور القمر في القوة والضعف التابعة لما يظهر للناس نيرا من كرة القمر ، كما في قوله تعالى : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [ يس : 39 ] . أي حتى نقص نوره ليلة بعد ليلة فعاد كالعرجون البالي . ويكون مَنازِلَ في موضع الحال من الضمير المنصوب في قَدَّرَهُ فهو ظرف مستقر ، أي تقديرا على حسب المنازل ، فالنور في كل منزلة له قدر غير قدره الذي في منزلة أخرى . وإما عائد إلى ( القمر ) على تقدير مضاف ، أي وقدر سيره ، فتكون مَنازِلَ منصوبا على الظرفية . والمنازل : جمع منزل ؛ وهو مكان النزول . والمراد بها هنا المواقع التي يظهر القمر في جهتها كل ليلة من الشهر . وهي ثمان وعشرون منزلة على عدد ليالي الشهر القمري . وإطلاق اسم المنازل عليها مجاز بالمشابهة وإنما هي سموت يلوح للناس القمر كل ليلة في سمت منها ، كأنه ينزل بها . وقد رصدها البشر فوجدوها لا تختلف . وعلم المهتدون منهم أنها ما وجدت على ذلك النظام إلا بصنع الخالق الحكيم . وهذه المنازل أماراتها أنجم مجتمعة على شكل لا يختلف ، فوضع العلماء السابقون لها أسماء . وهذه أسماؤها في العربية على ترتيبها في الطلوع عند الفجر في فصول السنة . والعرب يبتدئون ذكرها بالشرطان وهكذا ، وذلك باعتبار حلول القمر كل ليلة في سمت منزلة من هذه المنازل ، فأول ليلة من ليالي الهلال للشّرطان وهكذا . وهذه أسماؤها مرتبة على حسب تقسيمها على فصول السنة الشمسية . وهي : العوّاء ، السّماك الأعزل ، الغفر ، الزّباني ، الإكليل ، القلب ، الشّولة ، النعائم ، البلدة ، سعد الذّابح ، سعد بلع ، سعد السّعود ، سعد الأخبية ، الفرغ الأعلى ، الفرغ الأسفل ، الحوت ، الشرطان ، البطين ، الثّريا ، الدّبران ، الهقعة ، الهنعة ، ذراع الأسد ، النّشرة ، الطّرف ، الجبهة ، الزّبرة ، الصّرفة . وهذه المنازل منقسمة على البروج الاثني عشر التي تحل فيها الشمس في فصول السنة ، فلكل برج من الاثني عشر برجا منزلتان وثلث ، وهذا ضابط لمعرفة نجومها ولا علاقة له باعتبارها منازل للقمر . وقد أنبأنا اللّه بعلة تقديره القمر منازل بأنها معرفة الناس عدد السنين والحساب ، أي عدد السنين بحصول كل سنة باجتماع اثني عشر . والحساب : مصدر حسب بمعنى عد . وهو معطوف على عَدَدَ ، أي ولتعلموا الحساب . وتعريفه للعهد ، أي والحساب المعروف . والمراد به حساب الأيام والأشهر لأن